العيني

166

عمدة القاري

32 ( ( بابُ ما يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ وَالأرْدِيَةِ وَالأُزُرِ ) ) أي : هذا باب في بيان ما يلبس ولما بين ما لا يلبس ، شرع في بيان ما يلبس ، وكلمة : ما ، يجوز أن تكون موصولة أي : باب في بيان الشيء الذي يلبس المحرم ، ويجوز أن تكون مصدرية أي : في بيان لبس المحرم ، وكلمة : من ، في : من الثياب ، بيانية وهو جمع ثوب ، والأردية جمع رداء ، والأزر بضم الهمزة والزاي جمع إزار ، ويجوز تسكين الزاي وضمها اتباعا للهمزة ، والرداء للنصف الأعلى ، والإزار للنصف الأسفل ، وعطف الأربعة على الثياب من باب عطف الخاص على العام . ولَبِسَتْ عَائِشَةُ رضي الله تعالى عنها الثِّيَابَ المُعَصْفَرَةَ وَهْيَ مُحْرِمَةٌ وقالَتْ لاَ تَلَثَّمْ وَلاَ تَتَبَرْقَعْ وَلاَ تلْبَسْ ثَوْبا بِوَرْسٍ وَلاَ زَعْفَرَانٍ مطابقته للترجمة في صدر هذا التعليق أعني قوله : ( ولبست عائشة الثياب المعصفرة ) أي : المعصفرة أي : المصبوغة بالعصفر . قوله : ( وهي محرمة ) جملة اسمية وقعت حالاً ، ووصل هذا التعليق سعيد بن المنصور من طريق القاسم بن محمد ، قال : ( كانت عائشة تلبس المعصفرة ) . وأخرج البيهقي من طريق ابن أبي مليكة : ( أن عائشة كانت تلبس الثياب المورد بالعصفر الخفيف وهي محرمة ) وقيل : الثوب المورد : المصبوغ بالورد . قوله : ( وقالت ) أي : عائشة : لا تلثم ، بتاء مثناة واحدة وفتح اللام وتشديد الثاء المثلثة ، وأصله : تتلثم ، فحذفت إحدى التاءين كما في : تلظى ، وفي رواية أبي ذر : لا تلتثم ، بفتح التاء المثناة من فوق وسكون اللام وفتح التاء المثناة من فوق وكسر الثاء المثلثة : من الالتثام ، من باب الافتعال ، والأول من باب التفعل ، وسقط هذا من الأصل في رواية الحموي ، وكلاهما من اللثام ، وهو ما يغطي الشفة . والمعنى ههنا : لا تغطي المرأة شفتها بثوب . قوله : ( ولا تتبرقع ) أي : ولا تلبس البرقع ، بضم الباء وسكون الراء وضم القاف وفتحها ، وهو ما يغطي الوجه . وعن الحسن وعطاء مثل ما روي عن عائشة ، ورواه ابن أبي شيبة في ( مصنفة ) عن عبد الأعلى عن هشام عن الحسن وعطاء ، قالا : لا تلبس المحرمة القفازين والسراويل ولا تبرقع ولا تلثم وتلبس ما شاءت من الثياب إلاَّ ثوبا ينفض عليها ورسا أو زعفرانا . قوله : ( ولا تلبس ثوبا بورس وزعفران ) أي : مصبوغا بورس وزعفران ، وقد روى أبو داود من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ( نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب ، وما مسه الورس والزعفران من الثياب ، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب من معصفر أو خز أو حلي أو قميص أو سراويل . وقال جابِرٌ : لاَ أرَى المُعَصْف طِيبا أي : قال جابر بن عبد الله الصحابي : أي : لا أراه مطيبا لأنه لا يصح أن يكون المفعول الثاني معنى ، والأول عينا ، ووصل هذا التعليق الشافعي ، ومسدد بلفظ : ( لا تلبس المرأة ثياب الطيب ، ولا أرى المعصفر طيبا ) . وَلَمُ تَرَ عائِشَةُ بَأسا بِالحُلِيِّ وَالثَّوْبِ الأسْوَدِ والمُوَدَّدِ والخُفِّ لِلْمَرْأةِ الحلي ، بضم الحاء وكسر اللام ، جمع الحلى . والثوب المورَّد المصبوغ بالورد ، يعني : على لون الورد ، وروى البيهقي من طريق ابن باباه المكي أن امرأة سألت عائشة : ما تلبس المرأة في إحرامها ؟ قالت عائشة : تلبس من خزها وبزها وأصباغها وحليها . وقال ابن المنذر : أجمعوا على أن المرأة تلبس المخيط كله والخفاف وإن لها أن تغطي رأسها وتستر شعرها إلاَّ وجهها تسدل عليه الثوب سدلاف خفيفا تستتر به عن نظر الرجال ، ولا تخمره إلاَّ ما روي عن فاطمة بنت المنذر ، قالت : كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر ، رضي الله تعالى عنهما . تعني : جدتها . قال : ويحتمل أن يكون ذلك التخمير سدلاً كما جاء عن عائشة ، قالت : كنا مع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، إذا مر بنا ركب سدلنا الثوب على وجوهنا ونحن محرمات ، فإذا جاوز رفعنا . قلت : فيما أخرجه الجماعة : ولا تنتقب المرأة المحرمة فيه دليل على أنه يحرم على المرأة ستر وجهها في الإحرام . وقال المحب الطبري : مفهومه يدل على إباحة تغطية الوجه للرجل وإلاَّ لما كان في التقييد بالمرأة فائدة . قلت : قد ذهب إلى جواز تغطية الرجل المحرم وجهه عثمان بن عفان وزيد بن ثابت ومروان بن